ابن قيم الجوزية
506
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
30 ] وقوله : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 ) [ التّكوير : 28 ، 29 ] . وما جاء به العلم لا يناقض ما جاءت به المعرفة . بل المعرفة روح العلم ولبّه وكماله . وحقيقتها : العلم الذي أثمر لصاحبه مقصوده . ولسان الأبرار لا يخالف لسان المقربين . إنما يخالف لسان الفجار . نعم لسان المقربين أعلى منه وأرفع ، على مقتضى أعمالهم وأحوالهم . فنسبته إليه : كنسبة مقام التوكل إلى الرضى ، والرضى إلى الحمد والشكر . فإن قيل : كلامكم هذا بلسان العلم . ولو تكلمتم بلسان الحال لعلمتم صحة ما ذكرناه فإن صاحب الحال صاحب شهود . وصاحب العلم صاحب غيبة . والشاهد يرى ما لا يرى الغائب . ونحن نشير إليكم إشارة حالية علمية . تنزلا من الحال إلى العلم . فنقول : الحال تأثر عن نور من أنوار الأحدية والفردانية . يستر العبد عن نفسه ، ويبدي ظهور مشهوده . ولا ريب أن في هذا الحال قد يعتقد . أن الشاهد هو المشهود . حتى قال أبو يزيد في مثل هذا الحال : سبحاني سبحاني ، وما في الجبة إلا اللّه . ولا شك أن هذا الاعتقاد زور . وأن سببه نور من أنوار الأحدية « 1 » ، وصاحبه معذور . ما دام مستورا عن نفسه بوارده . فإذا رد إلى رسمه وعقله وحسّه : حال ذلك الحال وزال ، وعلم صاحبه أنه كان زورا . حيث ظن أن الشاهد هو المشهود . فإن أنكرتم ذلك فلا كلام معكم . وإن اعترفتم به حصل المقصود . فهذا معنى كون أصدق أحوال الصادق : زورا . وإذا عرف هذا في الحال : عرف مثله في كون أحسن أعماله : ذنبا . فإنه - لصدقه في الطلب ، وبذله الجهد في العمل ، واستفراغه الوسع فيه - يغيب بذلك عن شهود الحقيقة الكونية ، وأن المحرك له سواه ، وأنه آلة ومجرى للمشيئة ، وأن نفسه أعجز وأضعف من أن يكون لها ، أو بها ، أو منها : فعل ، أو إرادة ، أو حركة . فإذا رجع إلى الحقيقة فشهد منة اللّه عليه ، وأنه هو المحرك له ، وأن مشيئته هي التي أوجبت سعيه ، رأى أحسن أعماله : ذنبا بهذا الاعتبار . وأما « رؤيته أصفى قصوده : قعودا » فلأن القاصد إلى الحقيقة متى شهد مقصوده : قعد عن قصده . فإن المقصود المراد : أقرب إلى اللسان من نطقه ، وإلى القلب من قصده . فالقصد إليه : هو عين القعود عن القصد . لأن القصد إنما يكون لبعيد عن القاصد . أما من هو أقرب إلى القاصد من ذاته : فمتى شاهد القاصد الحقيقة : علم أن قصده عين القعود عن قصده . والعبارة تزيد هذا المعنى جفوة . والحوالة فيه على الحال والذوق . فالجواب ، أن يقال : من أحالك على الحال فما أنصفك . فإنه أحالك على أمر مشترك بين الحق والباطل . فإن كل من اعتقد شيئا وطلبه طلبا صادقا ، واستفرغ وسعه في الوصول إليه : كان له لا محالة فيه حال ليست لغيره . بحسب صدقه في طلبه ، وجمع همته وقصده عليه . وهذا يكون
--> ( 1 ) بل ظلمة كثيفة شيطانية إبليسية .